Skip Navigation Links.
 
موقف للأب رغيد مع طفل أصم

بسم الأب والابن والروح الروح القدس الإله الواحد آمين

في البداية أرجو أن توسعوا صدوركم لسماع قصتي: في عام1998 رزقني الله بمولود جميل اسمه (لورنس) وبالطبع كأي أب وأم فرحنا به كثيرا. فمنذ ولادته بدأت أتخيل كيف سيكبر يوم بعد يوم ويدخل المدرسة ثم الجامعة وبعدها يتزوج ويعيش حياته الطبيعية مثل باقي البشر لكن أحلامي لم تتحقق

 فبعد مرور سنة ونصف لاحظنا بأنه لا يتفوه بالكلمات البسيطة التي ينطقها جميع الأطفال في صغرهم فذهبنا به إلى أخصائي (أنف وأذن وحنجرة) وهنا كانت الصدمة الكبيرة وهي إن نطقه سليم لكن الخلل في السمع ولأن السمع متصل بالنطق لذلك لن يستطيع التكلم وفي تلك اللحظة انهار كل شي فلا استطيع وصف ما حصل لي فهو ابني البكر الذي تأملت فيه كل الخير والسعادة . من هنا بدأت رحلة العذاب والعلاج فزرنا جميع الأطباء في مدينة الموصل وبغداد و اربيل ولا أخفي عنكم لقد كان يتعذب ويعذبنا عند الفحص ووضعه في الأجهزة الطبية. وبعدها قرر الجميع بأنه ممكن أن يسمع إذا أجريت له عملية (زراعة القوقعة) التي تكلف ما يقارب (30000 دولار) وهذا أدى إلى عدم إجراء العملية لأسباب منها لا تجرى هكذا عمليات في العراق وأيضا والد لورنس دخله محدود وهي مكلفة جدا كما أن صعوبة السفر للعراقيين لعدم إعطائهم الفيزا وبقية المعاملات كانت إحدى الأسباب .
وأمام كل هذه العراقيل كنت أدعو من مريم العذراء واصلي دائما لكي تمدني بالأمل و التفاؤل ولكن لا أخفي إنني في بعض الأحيان كنت أصاب باليأس والإحباط . فرأينا انه من الأنسب الالتجاء إلى الجمعيات الخيرية لعلها تتبنى علاجه لكن دون جدوى فبسبب الإرهاب انعدمت هذه المؤسسات. التجأنا الى رجال الدين فالتجأنا الى شخص معين لكن لم يمدنا بأي مساعدة ثم الى آخر وهو أيضا لم يمدنا بالمساعدة. إن الذي يوخز في قلبي أنه كانت هناك طفلة مسلمة حالتها مشابهة لحالة ابني فبنداء واحد للجوامع تم جمع المبلغ لإجراء العملية لها فهل هم يمتلكوا الرحمة والمال أكثر منا اترك الحكم لكم لا تعليق لدي على ذلك.
وبعد طول انتظار وفقني الله والتقيت الشماس هديل وهو أيضا من أبناء القرية فشرحت له الحالة و أطلعته على التقارير الطبية ووعدني خيرا وبعد فترة قال لي يجب أن تجهزي جوازات السفر لك وللطفل فتفاءلت جدا لكنه قال لي لا تسأليني من الذي طلبها فبدأنا بتحضير الجوازات رغم صعوبة ذلك في ذاك الوقت وبعدها اخبرني إن الشخص الذي يسعى لمساعدتي يريد أن يقابلني ووقتها فرحت كثيرا لأنني سوف التقي بالمنقذ الذي كان الأب الشهيد رغيد عزيز كني فذهبت لمقابلته في المركز الثقافي في كرمليس لأنه كان مديرا للدورة اللاهوتية وعند مدخل القاعة رأيت شخصا بشوشا أحسست انه الأب رغيد لأني سمعت الكثير عنه فسألته أنت الأب رغيد ؟ فأجاب هل أنت أم لورنس؟ قلت له نعم فرحب بي وبلورنس ودخلنا الإدارة ثم بدأ يسألني عن العملية وتكاليفها والمدة التي سوف تستغرق وبعد انتهاء اللقاء قبّل لورنس ووضع يده فوق رأس لورنس وقال له مبتسما (يا لورنس سوف تكون محظوظا جدا) لم اسأله ماذا يقصد بهذه العبارة لكني بداخلي أحسست بأمل كبير بأن ابني سوف يتعالج وكما شعرت أيضا بمدى ثقة الأب رغيد بنفسه وبما يفعل فشكرته قائلة :الله يوفقك ويساعدك لعمل الخير. لكنه طلب مني السرية والكتمان فقط أهل البيت ممكن أن يعلموا بالأمر. وقال الأب رغيد: حتى إذا شفي لورنس لا أريد أن تقولي من الذي ساعدك.
فوعدته بتنفيذ رغبته . اعتقد أنكم ومن خلال هذا الكلام تستطيعون أن تستنجوا مدى إنسانية وتواضع هذا البار انه وبدون مبالغة ملاك يمشي على الارض وهذا اقل وصف في حقه .
وفي كل ثلاثاء كنت أقابله لأعرف سير الأمور وقد علمني شيئا هو عدم طرح الأسئلة الكثيرة . وكنت أقول في البيت دائما أن الأب رغيد يخاطر في حياته في المجئ لكرمليس كل يوم الثلاثاء وإني أخشى عليه من الإرهابيين وكأنني كنت أحس بأن يومه قد أقترب لكنني دائما كنت اطلب من الله أن يحفظه ويطيل عمره لأننا جميعنا بحاجة لمثل هذا الإنسان . وفي آخر مرة قابلته قال: لا تقلقي يا أم لورنس في الشهر السابع إن لم تتم المعاملة سوف أكملها بنفسي لأنني سأزور ايطاليا. ففرحت كثيرا بهذا الأمل الجديد لكن موته كان أسرع من كل شي فقد سرق المجرمون من لورنس اليد الرحيمة والوحيدة التي ساعدته كما سرقوا مني الأمل الوحيد الذي عشته وتمنيته طيلة ستة أشهر مدى معرفتي بالأب الفاضل. ففي اليوم المشئوم 3\6 خرجنا من الكنيسة وذهبنا الى بيت والدي وبعدها جاء والدي لون وجهه مصفر وكان يهمس ويقول لقد سمعت خبرا الآن عسى وأتمنى أن يكون كذبا أن الأب رغيد وثلاثة من رفاقه قتلوا الآن في الموصل . بالتأكيد لا أستطيع وصف ما حدث بي في تلك اللحظة وكأن العالم بأكمله انهار فوقي ليس من أجل ولدي بل لأني عندما تعرفت عليه أحسست بأنني أتكلم مع نموذج نادر من الصعب العثور على شبيه له لقد انبهرت من طريقة كلامه معي, فذهبت مسرعة الى بيت أهل الأب رغيد للتأكد من الخبر المشئوم فوجدت كل أهل القرية متجمعين هناك الكل يبكي لبشاعة موته لقد كان موته فاجعة للجميع .
فذهبت إلى المنزل ولا اعرف كيف وصلت مع الدموع والحزن واليأس والإحساس بالحقد اتجاه المجرمين فجلسنا أمام شاشة قناة عشتار التي كانت تعرض صوره وعندما سألني لورنس بالإشارة هذا الرجل الذي كنا نذهب إليه ونشاهده في القاعة فقلت له نعم لقد قتل وبألاشارة أيضا قال: الإرهابيون قتلوه .قلت له : نعم .فقال وهو يمسح دموعي: (لاتبكي عندما اكبر سوف اقتلهم ) صدقوني إنني لا أبالغ بل إنني اختصرت كثيرا من مشاعره اتجاه الحادث لأنني لا أستطيع وصفها إلا بالإشارة كما فعل .
في اليوم الثاني من الجنازة التقيت بالشماس هديل وهو يبكي و قلت له: (ليتك لم تعرفني بالأب رغيد) . وفي الكنيسة قلت في نفسي يا رب لماذا أخذت الأب رغيد فهو الوحيد الذي تحنن على طفلي بالرغم من أني لم أكن اعرفه ولم ألتقي به من قبل أبدا ؟ لماذا أخذت الفرحة والأمل من قلبي هل هو قدر الأب رغيد؟ أم قدر ابني؟ .
ولكن في أيام الجنازة خالفت وعدي للأب رغيد بالكتمان بل أبلغت جميع من التقيت بهم بأن الأب رغيد هو الوحيد الذي ساعدني وهو الذي تعطف وشفق على ابني . وعندما كنت أصرح بذلك للناس كانوا يقولون لي (إذن ابكي الآن على حظ ابنك أكثر).
(عزيزي رغيد أنا آسفة جدا لأني عاهدتك بأن لا أفصح عن اسمك لكن بموتك الأليم تغير كل شي فكان علي إعلان اسمك ليعرف الناس من هو الأب رغيد).
وها نحن بعد فقدان الأب رغيد بانتظار أهل الخير والرحمة كي يتحننوا على طفلي البالغ الذكاء فهو قد دخل المدرسة وانتهى من المرحلة الأولى والثانية والثالثة الابتدائية وكان من المتفوقين لكن مدير المدرسة ابلغني بأنه في العام القادم لن يستطيع الاستمرار في الدراسة وهذا يعني أن حياته توقفت عند المرحلة الثالثة ونحن الآن نعيش عصر الانترنت فأنا وكأي أم أحب أن أرى ولدي في أعلى المراتب من العلم والمعرفة ولكن ما باليد حيلة وفي آخر زيارة للطبيب المختص قال الطبيب : كلما كبر كلما قلت نسبة نجاح العملية .
فرجائي لكم وبرحمة الغالي رغيد الذي تبنى هذا الموضوع أن تواصلوا ما بدأه والله يوفقكم لعمل الخير لأنه لايضيع اجر من يسعى للخير .
أتمنى أن يعيش كباقي الأطفال.

والدة الطفل لورنس

Added by www.ragheed .net in Monday, July 21, 2008
Visits: 2513

©Ragheed.net Terms