
كلمات عن الاب رغيد لاستاذ الأسلاميات في معهد الدراسات الدينية والحضارات في الجامعة الغريغورية الحبرية – روما
أخي رغيد
أعتذر لك يا أخي لأني لم أكن الى جانبك عندما فتح مجرمون النار عليك وعلى اخوتك. ولكن الطلقات التي اخترقت جسدك الطاهر والبريء اخترقت قلبي أيضا ونفسي.
لقد كنت أول من عرفته لدى وصولي الى روما، في أروقة الآنجيليكوم في كافتيريا الجامعة,ولقد سحرتني ببراءتك، ومرحك، وابتسامتك الرقيقة الطاهرة التي لم تغادرك أبدا. وأنا لا أستطيع أن أتصورك الا مبتسما وسعيدا وغامرا بفرح الحياة. ان رغيد سيبقى لي عنوان البراءة المتجسدة، البراءة الحكيمة التي تحمل في قلبها هموم شعبه البائس. اني أذكر وقت كنا في كانتين الجامعة، يوم كان العراق تحت الحصار، اذ قلت لي بأن ثمن قهوة واحدة يمكن أن يوفر حاجات عائلة عراقية لنهار كامل. كما لو أنك تشعر بالذنب لوجودك بعيدا عن شعبك المحاصر، وأنت لا تقاسمه آلامه... وها قد عدت الى العراق، ليس فقط لكي تقاسم الناس عبء ألمهم، بل لكي تضيف دمك الى دم آلاف العراقيين الذين يموتون كل يوم. لن أنسى يوم رسامتك في الأوربانيانا... والدمع في عينيك وأنت تقول لي: "اليوم متّ لنفسي".. يا لها من عبارة قاسية!
حينها لم أفهم، ولربما لم آخذ العبارة بجدية كافية.. واليوم، باستشهادك فهمت معنى هذه العبارة... لقد متّ في نفسك وفي جسدك لكي تقوم في حبيبك ومعلمك، ومن أجل المسيح القائم فيك، بالرغم من الآلام والأحزان، بالرغم من الفوضى والجنون.
باسم أي اله قتلوك؟ باسم أية وثنية صلبوك؟ هل ترى كانوا يعلمون ما يفعلون؟!
لا نلتمس منك الأنتقام أو الثأر، يا الله، وانما الأنتصار... انتصار العدل على الخطأ، انتصار البراءة على الرذيلة، انتصار الدم على السيف.. لن يذهب دمك سدى، عزيزي رغيد، لأنه قدّس أرض وطنك.. وابتسامتك الرقيقة ستستمر تضيء من السماء عتمات ليالينا وتبشرنا بأيام أفضل...
عذرا يا أخي، فالأحياء عندما يلتقون يظنون أن لهم الوقت الكافي للحديث، والزيارة، وتبادل المشاعر والأفكار.. لقد دعوتني لزيارة العراق. اني أحلم بهذه الزيارة دوما.. لزيارة دارك، وأهلك، ومكتبك. ولم يخطر ببالي ابدا بأن قبرك هو الذي سازور يوما، وبأني سأتلو آيات من قرآني راحة عن نفسك.
لقد رافقتك يوما لشراء تذكارات وهدايا لأسرتك عشية زيارتك الأولى للعراق بعد غياب طويل. وكنت قد حدثتني عن عملك المقبل وقلت لي: "أريد أن أملك على قلوب الناس بالمحبة قبل العدالة". وقتها صعب عليّ أن أتخيلك "قاضيا" شرعيا.. ولكن اليوم لفظ دمك واستشهادك كلمتهما، وأصدرا قرار الأمانة والصبر، والأمل تجاه كل ألم، وأن تبقى حيا بالرغم من الموت والعدم.
أخي، ان دمك لم يسفك جزافا.. ومذبح كنيستك لم يكن هزلا.. لقد أخذت دورك بجدية، حتى النهاية، ولا شيء يطفىء ابتسامتك.. أبدا.
أخوك الذي يحبك
عدنان مكراني
استاذ الأسلاميات في معهد الدراسات الدينية والحضارات في الجامعة الغريغورية الحبرية – روما
2007روما في 4حزيران
Added by
salem soreshow
in
Thursday, July 03, 2008
Visits:
2047
|